الاستنجاد بالمقاصد للقول بجواز تعليق الصلاة جماعة وجمعة في وقت الأوبئة والجوائح

2020-03-29T23:04:36+01:00
2020-03-31T22:09:54+01:00
في صلب الموضوع
منير الأطراش
نشرت منذ 5 أشهر يوم 29 مارس 2020
الاستنجاد بالمقاصد للقول بجواز تعليق الصلاة جماعة وجمعة في وقت الأوبئة والجوائح

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيد السادات، وخاتم النبوات محمد بن عبد الله وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار، ومن تبع من الأخيار إلى يوم العرض على الجبار، وبعد:

يسعدني أن أدلي بدلوي المتواضع في مسألة مهمة تتسم براهينتها التي أملتها الظرفية الاستثنائية التي يعيشها العالم والأمة الإسلامية وبلدنا والتي تشهد انتشار وباء كورونا الذي صُنف جائحة حسب منظمة الصحة العالمية.

يتعلق الأمر بمسألة تعليق الصلاة جماعة وجمعة داخل المساجد من حيث الجواز والإباحة، على أساس المنع من التجمع والتجمهر لأي داع كان بله أن يكون دينيا تعبديا حيث يُخشى من خلاله على أمن وسلامة العباد من العدوى الوبائية المفضية لا قدَّر الله إلى الهلاك.

ولا أُحدِّث نفسي إطلاقا بأهلية التعليق على ما صدر من فتوى في هذه المسألة من قِبَل من هم مؤهلون لذلك ومخولون بذلك كما هو الشأن للجنة العلمية في المجلس العلمي الأعلى بالمغرب، وإنما جهد المقل بالنسبة لي يروم إبراز التعليل المقاصدي الذي يمكن أن تستند إليه هذه الفتوى ونظيراتها سواء في المغرب أو خارجه.

تتمثل الفتوى في إجازة تعليق الصلاة جماعة وجمعة في هذا الظرف العصيب الذي يشهد تفشي وباء كورونا في المغرب وليس هو استثناءا بخصوص هذه المسألة.

وعملي في هذه الورقة ينصب على استثمار منظومة المقاصد الشرعية في التعليل لفتوى التعليق وذلك بالنظر إلى دوران المقاصد مع تغير أحوال العباد ومراعاتها في مثل هذه الفتاوى إجازة ومنعا.

فالشريعة الإسلامية مبنية على رعاية مصالح العباد التي لا تتحقق إلا بمراعاة مقاصدها في الاجتهاد وإصدار الفتاوى. ومن سائغة القول إن الفتوى التي صدرت عن المجلس العلمي الأعلى من خلال لجنته العلمية الإفتائية بتوجيه من ولي الأمر أمير المؤمنين محمد السادس تأتي في هذا السياق.

فالتكليف بفرضية الصلاة في الإسلام والتوكيد على سنيتها جماعة سيما في المساجد إنما كان لتحقيق مقاصد ومرامي متعددة منها ما كان أصليا وضروريا ومنها ما كان مكملا ولكنه خادم لما قبله. أتحدث هنا عما كان أصليا من المقاصد التي قامت الشريعة بحفظها كمقصد حفظ النفس خاصة والذي لولاه ما حُفظ الدين مصداقا للقاعدة التي تقول: «حفظ الأبدان أولى من حفظ الأديان»، وهذا هو الذي ترتكز عليه هذه الفتوى القائلة بالتعليق المعلل بتفشي وباء يهدد قيام ما جاءت الشريعة برمتها لبنائه وهو النفس، ودلت عليه أدلة شرعية متضافرة سواء من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾. 1

فتجمع الناس في مكان واحد كالمسجد واحتكاكهم ببعضهم وغير ذلك من التصرفات المعتادة من شأنه حسب المختصين من علماء الصحة أن ينقل العدوى بين المصلين كما التجمعات الأخرى، وبالتالي يعتبر إلقاء بالنفس إلى التهلكة المنهي عنه حسب الآية الكريمة، وأيضا هناك قوله تعالى:﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ 2، بل إنه ما دلت عليه السنة النبوية ولذلك فإن الشريعة درأت كل ما بسببه حصول ضرر بالإنسان وهو المُقَدم عندها على غيره تصديقا للقاعدة الأصولية المقاصدية: (درء المفاسد وتقليلها أولى من جلب المصالح وتكثيرها).7

ففتوى تعليق الصلاة جماعة وجمعة يعتبر تخلفا اضطراريا إن جاز التعبير ينتفي معه اعتبار ذلك خرقا لحكم شرعي ولمقاصده المعتبرة شرعا وفي مقدمتها حفظ الدين لأن حفظه يقوم أساسا على حفظ النفس المهددة بالسماح بالاختلاط والتجمع مهما كانت طبيعته، فهي تدبير شرعي مقاصدي يستند إلى أدلة سلف ذكر بعضها من القرآن الكريم ويمكن أن نعضدها بأختها من السنة النبوية والتي دلت على ما يسمى في الاصطلاح الراهن عند أهل الشأن من أطباء وخبراء الصحة بالحجر الصحي.

روى ابن حبان وغيره بصيغ مختلفة عن أسامة بن زيد أن النبي r ذكر الطاعون فقال: «بقية رجز أو عذاب أُرسل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها». 3

وروى البخاري عن ابن عباس : أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، قال ابن عباس: فقال ابن عمر: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعاهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم قد خرجنا لأمر ولا نرى أن نرجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله r، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال : ارتفعوا عني ثم قال: ادع لي الأنصار فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا نرى أن نرجع بالناس ولا نقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه. قال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله ؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لوكان لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجاته، فقال: إن عندي في هذا علما سمعت رسول الله r يقول: «إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه»، قال: فحمد الله عمرُ ثم انصرف. 4

وقد رتَّب الشارع الحكيم الأجر على من يمكث في بلده وايضا في بيته في ظروف الوباء والبلاء بشرط أن يصبر على ذلك ويحتسبه لله تعالى سواء مات من ذلك الوباء أم لا، فقد روى البخاري في صحيحه، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله r عن الطاعون، فأخبرني أنه: عذاب يبعثه الله على من يشاء وأن الله جعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد .5

وقد رُوي عن عمر أيضا أنه قام برفع حد السرقة عام المجاعة – وإن كان في الرواية مقال – وقد قال بعض أهل العلم أن عمر إنما فعل ذلك لوجود شبهة في المال المسروق، ونحن نقول إن الفتوى بالتعليق راعت شبهة الإصابة بالوباء والتي قد ترقى إلى مستوى القطع في بعض الحالات.

كما أن من مقتضيات النظر المقاصدي لفتوى التعليق التبرير بفقه الترجيح والتغليب بين المصالح نفسها وبين المصالح والمفاسد وحتى بين المفاسد كذلك حين التزاحم والتعارض والذي تدلل عليه قواعد عدة من قبيل: «درء المفاسد أولى من جلب المصالح» وأيضا قاعدة: «إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما».

فمفسدة الإصابة بالوباء بسبب التزاحم في أماكن العبادة عموما والصلاة خصوصا أولى بالدفع من مصلحة إقامتها، كما أن مفسدة تعليق الصلاة جماعة إذا اعتبرناها كذلك في هذه الأحوال أولى بالاعتبار والتقديم من مفسدة ترك الصلاة جماعة في الأصل.

ولا شك أن هذه القواعد التي تعتبر دليلا كليا إنما هي راجعة في أصلها إلى مجموعة من النصوص الشرعية الجزئية.

  • 1 سورة البقرة، الآية : 195
  • 2 سورة النساء، الآية : 29
  • 3 رواه ابن حبان في كتاب الجنائز وما يتعلق بها مقدما أو مؤخرا، باب ما جاء في الصبر وثواب الأمراض والأعراض، رقم الحديث 2954
  • 4 رواه البخاري في كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، رقم الحديث 5397
  • 5 أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب أجر الصابر في الطاعون، رقم الحديث:
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.