السوق الأسبوعي و المقاومة اليزناسنية: بقلم محمد ستي

عبد الصمد بلعزيز
فن و ثقافة
عبد الصمد بلعزيز
نشرت منذ شهرين يوم 16 يناير 2021
السوق الأسبوعي و المقاومة اليزناسنية: بقلم محمد ستي

السوق الأسبوعي و المقاومة اليزناسنية:
بقلم محمد ستي

السوق للتسوق و التبضع كما درج عليه العامة من الناس، فهو مجال رحب لكل المعروضات على اختلافها، تَصوُّرُُ مبني على الظاهر الذي تستقر عليه العين عند إجالة النظر، لكنه في واقع الأمر ينطوي على خبايا أعمق من البيع و الشراء، فهو فضاء يجمع بين المتناقضات في نظام محكم، أدواره متعددة و بخلفيات إيجابية، فيها من الخدمات ما ترضي به كل مبتغ ساع إلى ما يريد، فهي منسجمة مع كل مرحلة تاريخية يكون فيها للسوق حضور مميز للعب إحدى الأدوار الرائدة، التي تشهد على بطولات أصحابها و بسالتهم في الذود عن حِيَاض المنطقة، و استرداد ما ضاع منها بالغصب، كما حدث خلال فترة الاستعمار الذي أطبق على أنفاس قبائل بني يزناسن، بتجريدهم من أراضيهم و نهبهم لخيراتها، و ما اكتووا به من أنواع التعذيب و التعسف، لأجل ذلك تبنوا المقاومة كبديل جهادي لتقويض سياسة المستعمر و إيقاف مدِّها، مما أعطى لقضيتهم المحلية بعدا وطنيا، و أصبحوا أكثر تنظيما، تمكنوا من وضع مخططات دقيقة لعمليات فدائية مختلفة كان للسوق فيها قسط وافر لإنجاح بعضها، من خلال الأسلحة الخفيفة التي كانت تمرر بحذر شديد عن طريق النساء اللواتي كن يضعنها في سلة البيض، أو داخل ملابسهن و هن يلتحفن” الحايك”، ليتمكنَّ من تجاوز نقاط التفتيش بيسر، و تسليمها للمقاومين لتنفيذ عملية فدائية مخطط لها بدقة متناهية ضد أحد رموز الجيش الاستعماري، أو تصفية أحد الخونة المعاونين لهم أمام أنظار حشد المتسوقين من كل القبائل، ليتعظ ضعاف النفوس منهم إذا سولت لهم أفكارهم المتذبذبة الانسياق وراء إغراءات تجنيدهم كعملاء خونة، و ليسهل عليهم أيضا التسلل في أمان إلى خارج أسوار السوق، تجنبا لتعرضهم للاعتقال من قبل جيش المعمر المنتشر في كل أرجائه، فقد حدث حسب الروايات الشفوية المحلية و بإيعاز من إخبارية الخونة أن تم تطويق السوق الذي كان يضم بين مرتاديه مقاومين أفذاذ، تواجدوا للقيام بعملية فدائية تستهدف الجيش المترامي بين أطراف السوق، و لإشعال فتيل الثورة التي كانت ستقلب موازين القوة، لكنه فطن لها و سعى إلى إفشالها و دحضها، بأن سارع إلى حظر دخول الفرنسيين و اليهود، تفاديا لأن يلحقهم أذى مما يحاك ضد أهل بني يزناسن، و في المقابل كان يُسمح لباقي المتسوقين بارتياد السوق، بغرض إحكام حصارهم بالداخل حتى يتمكن من اعتقال عناصر المقاومة عن طريق نهج سياسة الترهيب لإرغام المواطنين على الوشاية بهم، و لما عجز عن انتزاع معلومات تفيده في مسعاه، و لم يفلح في كسر صمتهم بعد أن أجمعوا على لجم ألسنتهم و أن لا ينبسوا بشيء يعينه على بلوغ مآربه، قرر الجيش تصفية جميع المحتجزين داخل السوق حتى لا ينجو أحد من الفدائيين و مناصريهم، فكان للسيد محمد بن عبد الله الحافي الذي كان متواجدا أثناءها بدكان بنعبد الله شاطر، بعد أن وصلته إخبارية تفيد بإزماع المستعمر على القيام بمجزرة رهيبة يستهدف فيها من في السوق، فأسرعا لإخطار القائد ” محمد التميمي الكومندار” حسب الروايات الرائجة محليا، و الذي كان له باعُُ في فك هذا الحصار بتكثيف مساعيه مع سلطات الاحتلال التي أثمرت نتائجها، بأن تم تحرير المحتجزين بعد شد الحبل بين الطرفين، بينما التدوين الرسمي يشير إلى أن ” الحسن شاطر” هو من قام بإعلام القائد” محمد” بالكارثة التي كانت ستحصد آلاف الضحايا من اليزناسنيين، الواقعة تم التأريخ لها سنة 1955، ففي كلا الحالتين فإنهما توحيان بيقظة الشعب و تعاونه مع المقاومين، و بقدرة المقاومة على زرع عيون لها للتخابر ضد الاستعمار من وسط مجتمعه المحمي بقوة العساكر.
كان السوق مجمعا لكل القبائل اليزناسنية، فقد جعلوا منه فضاءََ للتداول مع باقي المواطنين لإطلاعهم على مستجدات الحركة الوطنية، و توعيتهم بأهمية الالتحاق بالمقاومين، بتحريك هممهم، و إذكاء حسهم الوطني، و تسخيرهم ليكونوا عيونا لهم عند الاستعمار، يندسون وسطه لمعرفة خباياه التي يُبطِنُها، فينقلونها إلى خلية المقاومة المكلفة بجمع المعلومات عن المستعمر، فكان السوق الملاذ الآمن و المواتي لالتقاء عناصر خلايا المقاومة، لتبادل المعطيات في سرية تامة و الاطلاع على حيثيات خططه الاستنزافية، و البحث في كيفية مجابهتها و التصدي لأطماعه و جشعه، استراتيجية اتبعتها المقاومة بحرص شديد درءا لكل ما قد ينعكس سلبا على مسارها الجهادي، لذلك و تلافيا أن ينكشف عناصر خليتها السرية، و بإبعاد الشبهة عنها فقد كانت الوجوه تتغير عند كل سوق ضمانا لنجاح سريتها، و لما كان مجالا يسع جميع القبائل المتوافدة عليه، فقد كان يُستغل أيضا لتوزيع المنشورات التي كانت تصدرها المقاومة الوطنية، و الاستفاضة في شرح مضامينها لممثلي القبائل، حتى يساهموا في تمرير أفكارها الداعية إلى التلاحم تحت جناح المقاومة، كانت المنشورات تُخبأ بحكمة و حذر داخل مقود الدراجة الهوائية، و هو ما كان يثير حفيظة الاستعمار الذي كان يلجأ إلى كسر شوكتهم بالسجن و التنكيل بهم، و تشديد الخناق على المتسوقين، و تفتيش محتوياتهم عند الدخول و الخروج، لإيقاف مد المقاومة الذي اتسع ليشمل عامة المواطنين، و حملهم على المشاركة بقدر ما استطاعوا إليه سبيلا خدمة و نصرة للقضية الوطنية.
لم يقف دور السوق عند هذا الحد في تعضيد المقاومة و تحسيس المواطنين بحجم قضيتهم الوطنية، بل كانت هناك وسائل أخرى تم توظيفها من داخل الفضاء الفسيح لخدمة عناصر المقاومة و مناصرتها بما أوتي لها من قدرة، فكان للْحَلْقَة بأنواعها دور رائد في التوعية، و الحث على الالتحاق بالمقاومين، و الاستماتة من أجل التحرر من قبضة المستعمر الغاشم، و قد اعتمدت على السرد الإيحائي لمواقف تعبيرية عن الجهاد و التضحية و الإيثار لاستفزاز مشاعرهم، و إقناعهم بالمشاركة الكثيفة لتعزيز صفوف المقاومة، كما كانت تمرر عن طريقها رسائل إلى المقاومين تتضمن إشارات مبطنة لا يفهمها إلا المعنيين بها، تعِينهم على الاهتداء إلى استجلاء كل لُبسِِ يحيطها، لذلك كانت الحلقة سندا قويا و مساعدا على تجاوز العقبات و المحن التي قد تعترض المقاومين، و لشدة تعلق المواطنين بهم و بقضيتهم فقد كان السوق فرصة لجمع التبرعات، كل حسب إمكانياته المتوفرة سواء كانت مالا أو مواد غذائية أو ما شابه ذلك، يتكلف بجمعها عناصر قريبة من المقاومين، لتُقدَّم كمساعدة للسجناء منهم، و لعائلاتهم، و للوطنيين الملازمين بالجبال، و كان من بين المكلفين بهذه المبادرة” المقاوم الحاج احمد شاطر الملقب ببوصبعاين” الذي كان يعرف كيف يجعل التجار و غيرهم يساهمون في دعم المقاومة، و من النوادر التي تروى في حقه أنه كان يطلب من كل ممتنع عن أداء حق المجاهدين عليه، أن يخرج من دكانه إلى الشارع و يصيح بأعلى صوته” عاش محمد الخامس”، و خوفا من أن يتعرض للاعتقال من قبل المستعمر، فإنه يفضل منحه المساهمة على أن يَقْدِمَ على هذا الفعل، و بذلك يضمن انخراط الجميع في العملية.
من فضائل السوق أيضا تتبع أخبار المقبوض عليهم لطمأنة أهلهم و ذويهم، و معرفة مستجدات المقاومين و عملياتهم الفدائية و كل الأخبار التي تخصهم، ففي ذلك تمتين للرابط المشترك الذي يلفهم و يشدهم إلى بعض، ليبقى السوق بالإضافة إلى كونه ملتقى لإذكاء روح القتال و شحذ همم الثائرين، فقد كان أيضا ملتقى له مظاهر متعددة اجتماعية منها و اقتصادية تُعالج فيه الكثير من القضايا المحلية العائلية، و القبلية التي كانت تحتكم في فك نزاعاتها إلى حكماء قبائل أخرى، لهم مكانة خاصة و كلمتهم مسموعة يأخذ بها الجميع، يجتمعون في إحدى زوايا السوق بعيدا عن عيون الجواسيس ليتداولون في المشاكل المستعصية و معالجتها بحكمة و روية، و العمل على تذويب الخلافات، و السعي إلى توحيد القبائل المتناحرة، و الحفاظ على تماسكها فيما يخدم القضية الوطنية، و بذلك يكون للسوق إضافة إلى المبادلات التجارية دور في الإعلام و التواصل بين مختلف الشرائح الاجتماعية و تقاسم الأخبار، الأمر الذي نتج عنه وعي سياسي جعل المقاومة تأخذ مسارا آخر،فيه من الدبلوماسية ما تسعى من خلالها إلى استقطاب داعمين دوليين لقضيتهم الوطنية، و قد كان لليزناسنيين ممثلون عنهم في المشاركة كسفراء للتعريف بقضيتهم، و آخرون ممن اختلفت أدوارهم في خدمة المقاومة و التواصل مع الحركة الوطنية لتوحيد الصف، و التدوين الرسمي يذكر منهم العدد الأوفر فيهم من النساء و الرجال(……،………..،………،…………،……)
لكن المثير للجدل و الذي يطرح نفسه بإلحاح أمام تساؤلات تحاول النبش في الذاكرة لاستحضار أسماء تركت بصماتها في المقاومة، و كان لها صدى قوي في إنجاح الكثير من العمليات الفدائية، و أدوار أخرى لا تقل أهمية من حيث التنسيق بين الخلايا، و توفير المؤونة للمقاومين و التخابر ضد الفرنسيين، كل هؤلاء لم ينصفهم التاريخ و باتوا على الهامش لتبنيهم مواقف لا تتوافق و التوجه الجديد للحركة الوطنية بعد الاستقلال، فتم إبعادهم و تجاهل مسارهم الجهادي، و ما قدموه من خدمات و تضحيات مضنية صارت عبارة عن أحاجي يرويها من عايشوهم، و سمعناها من بعدهم ليطويها النسيان مع الأجيال القادمة لغياب التوثيق و التأريخ لهم بسبب الإقصاء الذي طالهم، و يستحقون منا استحضار ذلك الذي تجافاه التاريخ و أعرض عن تدوينه، حتى و لو كان خطوطا إنشائية و حكائية تضمن لأصحابها التعريف بحياتهم الجهادية الحافلة بمواقف بطولية، و لنا في هؤلاء نماذج كثيرة نذكر منهم: الحاج محمد بن موسى الشاطي الذي تعرض للسجن و التنكيل من طرف الاستعمار مرات عديدة بسبب مشاركته في عمليات فدائية مختلفة، و كذلك الحاج جامع بن احمد الذي كان وسيطا يقوم على تدبير المعونات الغذائية للمقاومين التي لا تقل أهمية عن الكفاح المسلح، و كذلك دور الأطفال و مشاركتهم في ضمان وصول الغذاء إلى المرابضين بالجبال باستعمال الدواب نذكر منهم الحاج محمد بن جامع، و الحاج محمد العربي، و غيرهم كثيرون كل حسب المهام التي أنيطت بهم و التي لا تقل أهمية عن مثيلاتها. تهميش لم يُكشف عنه في التدوين الرسمي لتاريخ المقاومة بمنطقة بني يزناسن و غيرها لاعتبارات سياسية، و اختلاف في المواقف و التوجهات التي أريد منها مواصلة التغيير إلى تحقيق تطور يليق بحجم ما أُريق من دماء لشهداء وهبوا حياتهم لأجل بناء وطن مستقل لا يقف عند حدود إخراج المستعمر، بل العمل على مواصلة قطع دابره بتصفية كل ما يمت له بصلة، خاصة أولئك العملاء الخونة الذين ملكهم أراض كانت تحت سيطرته، في الوقت الذي تعالت فيه الأصوات الحرة باسترداد كل شبر تم السطو عليه، و توزيعه بالعدل على الشعب الذي يستحق أن ينعم بخيرات بلاده، و سن سياسة وطنية تعزز هذا التوجه بعيدة عن التبعية حتى لا يبدو الاستقلال عسكريا فقط دون أن يطال باقي المجالات الحيوية الأخرى في شموليتها التي ينبني عليها تطور البلاد اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا، و هذا ما أحدث فجوة داخل صفوف الوطنيين، نتج عنها إبعاد ذوي الأفكار الحرة، و تصفية بعضهم، و إقصاء الأحياء منهم من المشاركة في الدائرة السياسية لتدبير الشأن العام، و قد حز فيهم هذا الحصار المفتعل الذي استشعرهم بخطورة الموقف و تبعاته على مستقبل البلاد و العباد، فكان من نتائجه أن فُرض عليهم الإنزواء المفتعل، و عدم الاختلاط مع العامة لئلا تتسرب أفكارهم الطامحة إلى التحرر في شموليته، و إقصاؤهم من ممارسة العمل السياسي، و تعطيل مواصلة مسيرتهم الإصلاحية بتشويه نظرتهم الاستشرافية لغد مشرق رسموا معالمه بأفكار كلها أمل وطموح، فكان من شدة قناعتهم بقيمة الرسالة الملقاة على عاتقهم، أن رفضوا كل مكافأة نظير جهادهم الذين اعتبروه واجبا وطنيا لا يقدر بمال، بل و الأدهى من ذلك فقد أعرضوا عن تدوين أسمائهم ضمن سجلات المقاومين، في إطار الحملة التي أطلقتها الحركة الوطنية بعد الاستقلال، مما حدا بهم إلى التمرد على كل مبادرة من شأنها أن تشوه صورة الكفاح الوطني التي رُسمت بدماء الشهداء، مثل هؤلاء لم ينبش أحد في ذاكرتهم لاستقراء تصوراتهم و مواقفهم و وضعها في سياقها الحقيقي، حتى ينجلي كل غموض تلبس مسارهم النضالي، و الكشف عن أسرار خفية لا زالت غائبة و دفنت مع أصحابها.

محمد ستي

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.