قلق من الدّيمقراطيّين

عبد الصمد بلعزيز
2021-02-16T13:21:07+01:00
مدارات
عبد الصمد بلعزيز
نشرت منذ أسبوعين يوم 16 فبراير 2021
قلق من الدّيمقراطيّين

قلق من الدّيمقراطيّين

بقلم: محمد بلعيش

ما أصبح يقلقني أكثر في المغرب الآن، ليس خوف “جيوب المقاومة “من الدّيمقراطيّة، بل خوف الدّيمقراطيّين أنفسهم من الدّيمقراطيّة. وهذا هو السّبب الرّئيسي الّذي يجعلنا نعيش انتقالا ديمقراطيّا مستمرا لأزيد من عقدين من الزّمن. وبدل أن تضيق رقعة الدّيكتاتوريّة وتتّسع رقعة الدّيمقراطيّة، اتسعت المنطقة الرّماديّة بينها فطال الانتظار أكثر من اللّازم بل هناك من صار يتحدّث عن تناوب ثان.!
هل يمكن أن نصبح بلدا ديمقراطيّا من دون ديمقراطيّين؟ قطعا الجواب لا.

أتذكّر السّي عبد الرحيم بوعبيد وهو يقول بأنّ الشعب لا يمكن أن يصبح ديمقراطيّا دون أن يمارس الدّيمقراطيّة. والدّيموقراطيّة في اعتقادي ليست فقط دستورا أو نصوصا تشريعيّة نصوغها بعناية لشعب ثلثه أميّ لا يكتب ولا يقرأ، ومتعلّمين متوقّفين عن التّعلّم منذ أن غادروا كراسي الجامعة. الدّيموقراطيّة هي ثقافة أوّلا وأخيرا، وما النّصوص التّشريعيّة إلّا مرآة عاكسة لها وليس العكس. عندما تكون الدّيمقراطيّة ثقافة، فكلّ ما نحتاجه هو الأعراف، بل ويصبح النّصّ التّشريعي تحصيل حاصل فقط. الدّيمقراطيّة رباط مقدّس، والمقدّس لا ينبغي أن يدنّس حتّي عندما يسيء إلينا. ويحضرني في هذا السّيّاق قول الله تعالي في سورة الحجّ :” وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ” صدق اللّه العظيم.

أرى العديد من المشاهد بشكل يومي، وأتساءل مع الغائب الحاضر السّي محمد الكحص :” ماذا حدث لسلطة العقل والمعرفة في هذا البلد؟”

المشهد الأول: فيديو الشّروق الجزائريّة

صدّقوني لم أكلّف نفسي عناء البحث عن فيديو قناة الشّروق، ولا التّافهين الّذين أثّثوا المشهد. بل تجاهلته عن سبق إصرار وترصّد تماما كما فعلت مع رسومات شارلي إبدو من قبل. أومن بأنّ أفضل جواب على التّفاهة هو تجاهلها. لو كان لي احتمال 1٪ فقط من صنعة وابداع المتن لسارعت لمشاهدة الحلقة. ربّما لو كان المشهد صادرا من برنامج Les guignol الفرنسي الّذي تعرض لمعظم رؤساء الدّول والسّيّاسيّين، لسارعت لآكتشاف مضمون الحلقة. ولكنّني أعلم جيّدا أنه صادر عن إعلام متخن ب الحقد و”الفقاقير”. “فقاقير” في الابداع، “فقاقير” في الأخلاق، “فقاقير” في حسن الجوار، “فقاقير” في الدّيماغوجيّة إلخ. إعلام لا يختلف كثيرا عن إعلام كوريا الشّماليّة الّتي أوهمت شعبها أن منتخبها يلعب نصف نهاية كأس العالم مع الّسعوديّة. وهل يصدّق عاقل خبرا صحفيّا يقول أن حائط البراق وقف جزائري؟ معلمة دينيّة جايلت الدّيانة اليهوديّة والمسيحيّة والاسلاميّة ضاربة جذورها في عمق التّاريخ، تصبح وقفا لدولة نشأت بعد سقوط الامبراطوريّة العثمانيّة. هل يصدّق عاقل أن برج إيفل سرقه الفرنسيّون من الجزائر.

أعتقد أنّ الأصل كان هو أن يعمل كلّ المغاربة بمقولة شيخ الشعراء أبو الطّيّب المتنبّي: “هذا صعلوك يريد أن أردّ عليه فيدخل التّاريخ”. وأن يديروا ظهرهم للشروق وصرفها الصّحي. أمّا وقد ردّ عليه الكثير من “الدّيمقراطيين” و “الصّحافيّين” و “السّيّاسيّين”، وأنزلوا قناة الشّروق منزلة أكبر ممّا تستحق، فهذا ما جعلني أكتب عن الموضوع أساسا.
لقد عجّت وسائل التّواصل الاجتماعي بالشجب والاستنكار وبألفاظ عنيفة أحيانا، جعلت الشروق ناطقا رسميّا باسم الجزائريّين. وهنا أسائل هؤلاء: ما قولكم عن الجرائد الوطنيّة ورسّامي الكاريكاتور المغاربة الّذين تعرّضوا غير ما مرّة للرّئيس الجزائري بالإهانة؟ هل تعتبرون ذلك أيضا قلّة احترام وإهانة وتطاول على رمز السّيّادة الجزائريّة أم لا؟ إن كنتم كذلك فأنتم منسجمون مع قناعاتكم ومبادئكم، وإن كنتم عكس ذلك، وجب أن تراجعوا تلك القناعات والمبادئ. فالدّيمقراطيّة هي ألّا تتغيّر المسافة الفاصلة بين الموقف والموضوع رغم قسوته. والمصداقيّة لا تبنى مطلقا بالحربائيّة، بل بالوضوح التّام.

الجزائر جار شرقي اختار موقفه الرّسمي العداء الصّريح للمغرب ملكا وشعبا. الجزائر الرّسميّة تعتبر من أشعل معركة “إسلي” لنصرتها “عدوّا كلاسيكيّا”. الجزائر الرّسميّة الّتي آوينا مقاومتها وسيّاسيّيها، طردت مواطنينا في عيد الأضحى وجرّدتهم من كلّ ممتلكاتهم. الجزائر الرّسميّة الّتي سلّحنا مقاومتها ضدّ المستعمر، تخسر المليارات من أجل تسليح انفصاليّين مغاربة. الجزائر الرّسميّة جار عدوّ لوحدتنا التّرابيّة، ولاستقرارنا السّيّاسي، ولثقافتنا، ولريّاضتنا إلخ. بل أنّ كلّ ما يسرّنا في هذا الوطن، يسوء الجزائر الرّسميّة. ومع ذلك كلّه يجب أن نظلّ أوفياء لمبادئنا وما نؤمن به ونحن ندفع شرّ جنيرالات الجزائر.

يجب أن نبقى على نفس المسافة مع الانفصال سواء أكان في صحراء المغرب أو في “القبائل الجزائريّة”. فكما يؤلمنا الانفصال كوطنيّين مغاربة، هناك من الوطنيّين الجزائريّين من يؤلمهم الانفصال هناك. كما ندين “حمق” جنيرالات الجزائر وإساءتهم المستمرّة لنا ملكا وشعبا، هناك من الجزائريّين من يخرج بوجه مكشوف ليدين تلك التّصرّفات ويدفع ثمن ذلك. ويجب أن ندين كذلك أي إساءات للشّعب الجزائري وقادته. يجب أن نأخذ بفهم الدّيمقراطيّة لا بحفظها، فالحفظ ينتج الحماقة في معظم الأحيان.

الرجال هم المواقف الواضحة ولهذا أقول أن للملوك ولقادة الدّول هيبة وحرمة وتقدير، غير أن كلّ ذلك لا يعفيهم من النّقد سواء أكان سيّاسيّا أو إبداعيّا شريطة أن يتحليا بالموضوعيّة والصّنعة والإبداع بعيدا عن الاسفاف والابتذال. عندما يكون النقد الإبداعي مستندا إلى الابداع والذّكاء فإن أولّ من يتلقّفه هو المعنيّ بالنقد. وعندما يكون غير ذلك يصبح صرفا صحيّا لا غير. فما أرقّ المسافة الفاصلة بين الشجاعة والوقاحة.

سأترك باب الأمل مشرعا على مصراعيه وأقول: ما زلت مؤمنا بمبادرة “اليد الممدودة” ومقترح المصالحة التّاريخيّة الّتي أطلقها جلالة الملك محمد السّادس في خطابه الرسمي في الذكرى الثّالثة والأربعين للمسيرة الخصراء بكلّ شجاعة ومسؤوليّة. وما زلت مؤمنا بما قاله الجزائري الأخضر الابراهيمي على لسان السّي عبد الرحمان اليوسفي في 7 دجنبر 2018 بمدينة وجدة ” بعد فشلنا في تحقيق حلم المغرب العربي الكبير، أتمنّي أنّ جيل القادة الجدد في بلدينا سينجزون المهمّة تلك بصرار ويقين وصبر”. وما زلت مؤمنا بما قاله القائد الفذ الحسين آيت أحمد قبل وفاته مخاطبا الشّباب الجزائري: “أنتم الأمل، اليد في اليد ستصلون إلى تحقيق ما حلمنا به وقد جاء دوركم لإكمال ما بدأناه”.

ومن يدر؟ فالجزائر الّتي أنجبت أحمد بنبلة، ومحمد بوضياف، والحسين آيت أحمد والأخضر الابراهيمي وغيرهم قد تنجب من يعيد الأمور لنصابها ويبادل ملك المغرب نفس الاهتمام فتمدّ الجزائر يدها من أجل مصالحة تاريخيّة. والمغرب الذّي ولد عبد الرحمان اليوسفي وعبد الرحيم بوعبيد والمهدي بنبركة ومحمد بوسته وعلي يعتة ومحمد عابد الجابري وغيرهم، قد يجود برجال ونساء يجعلون الدّيمقراطيّة ثقافة يوميّة وليست نصوص تشريعيّة فقط.

مستقبل شمال أفريقيا السيّاسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني يكمن في الاتّحاد ولا شيء غير الاتحاد، ومن يراهن على غير هذا فأنصحه بقراءة جيّدة للتّاريخ وربّما لكليلة ودمنة أيضا.

(يتبع)
بركان في 15 فبراير 2021

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.